محمد بن يعلي بن عامر الضبي

6

أمثال العرب

وأقرب مذهبا . . ولذلك جعلت القدماء أكثر آدابها وما دوّنته من علومها ، بالأمثال والقصص عن الأمم . ونطقت ببعضه على ألسن الطير والوحش . وإنّما أرادوا بذلك أن يجعلوا الأخبار مقرونة بذكر عواقبها ، والمقدّمات مضمونة إلى نتائجها . . ولهذا بعينه ، قصّ اللّه علينا أقاصيص من تقدّمنا ممن عصاه وآثر هواه فخسر دينه ودنياه ، ومن اتبع رضاه فجعل الخير والحسنى عقباه ، وصيّر الجنّة مثواه ومأواه . فالأمثال ، لها دلالة واضحة على حياة الأمة ، فما بالنا بالأمثال العربيّة التي نمت بين أفياء أمتنا ، وتناهت إلى أسماع الناس جيلا بعد جيل . إنها بلا شك تكشف عن طبيعة حياة العرب والمسلمين ، وتجلي كثيرا من مظاهر هذه الحياة البسيطة أو المعقّدة ، والتي لم يهتمّ بها الشعر كثيرا ، عنيت بذلك صور الحياة اليوميّة المعاشة ، التي يحياها الغني والفقير ، والرجل والمرأة ، وما ينهل بها من أسباب وأعمال وما يتداول فيها من حرف وما ينشأ عن ذلك من آلات وأدوات تطلبها ظروف العمل والكدح بصورة متعاقبة في البيئة الواحدة والبيئات المتجاورة . حقّا إن العرب ، بلغت شأوا لا يدرك في ضرب الأمثال ، فسلكوا فيها كلّ مسلك ، حتى أنه لم يخل كلام لهم من مثل في تضاعيفه . وكذلك زينوا بالأمثال فنون القول وتصاريفه . وهذا ما حدا باللغويين العرب ، أن يجمعوا لنا منها قدرا كبيرا ، منذ فجر التأليف في العربيّة . وقد تناولوها بالشرح والتفسير ، كما جمعوا لنا قصصها التي حدثت بالفعل ، أو حيكت حولها . فبينوا لنا موردها ومضربها ، ورتبوها في ضروب متنوعة ، ترتيبا وتبويبا . فقد وجد الرواة والمؤرخون المسلمون الأوائل ، أن الأمثال ، لها قيمة عظيمة على صعيد التربية والتعليم والتثقيف والأخذ بالكلام البليغ والفصيح . ولذلك كانوا يحثّون تلامذتهم على حفظها ، لأنهم كانوا يجدون فيها الأنغام اللغوية الصغيرة لأبناء جلدتهم أو دينهم ، ينعكس فيها الشعور والتفكير ، وعادات الأفراد وتقاليدهم على وجه العموم . وكذلك يظهر فيها نموّ الحياة الاجتماعية في شرائح وطبقات ، تمثل صعد مجتمعهم كافة . وقد كان المفضل الضبيّ مربيا من جهة ، وعالما لغويا من جهة أخرى . فهو مؤدب الخليفة العباسي المهدي بناء لطلب من أبيه أبي جعفر المتصور « 1 » .

--> ( 1 ) ياقوت ، معجم الأدباء : 19 / 164 .